عبد الوهاب الشعراني

344

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وخرجت مرة مع سيدي محمد بن عنان لشخص من الفقراء اسمه الشيخ عبد الودود بنواحي قلعة الجبل بمصر ، فلما أقبل عليه الشيخ حجل بين يديه فرحا بقدومه كما حجل بعض الصحابة بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم لما قدم عليه زائرا ، وكذلك كان يفعل الشيخ أبو بكر الحديدي إذا قدم عليه فقير . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لا ينبغي لفقير أن يزور أحدا من إخوانه إلا بشيء من القوت ولو رغيفا ، فإن لم يجد شيئا فليدع له بظهر الغيب فإنها هدية في صحيفته يوم القيامة ، وهي أنفع من رغيف يعني بيقين . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : لا تدخلوا لزيارة عالم أو صالح إلا وميزان إنكاركم مكسرة خوفا عليكم من المقت ؛ فإنه أعلم منكم بيقين : والجاهلون لأهل العلم أعداء لعدم وصولهم إلى مراتبهم ، وكم ممن دخل على عالم أو صالح بدين فخرج بلا دين فحرروا نيتكم قبل الدخول ، فإن لم يصح لكم إخلاص فارجعوا . وكان أخي الشيخ الصالح الشيخ محمد الصند فاوي يقول : ربما أمكث السنة أو أكثر وأنا مشتاق إلى زيارة بعض الإخوان فلا أجد نية صالحة أزوره بها فعاتبني مرة على طول غيبتي فقلت له حتى وجدت لي نية صالحة جئتك بها ، فقال جزاك اللّه تعالى خيرا . وسمعت شيخنا الشيخ عبد القادر الشاذلي رحمه اللّه يقول : إذا خرج أحدكم لزيارة فلا يخرج إلا بعد صلاة ركعتين ثم يقول بتوجه تام : اللهم إن كان في علمك أن أحدا من الإخوان خرج لزيارتي من بيته فعوقني عن الخروج ، وإن كان لم يخرج فعوقه في البيت حتى أذهب إليه لئلا نتعب نحن وهو من غير ملاقاة ، فإن للقاء لذة ليست كغيره . كما حكي أن أعرابيا ضاع له بعير فكان ينادي ألا من رأى البعير الفلاني فهو له ، فقال له إنسان فما فائدة وجوده ؟ قال : لذة اللقاء لا غير . وكان أخي الشيخ أحمد السطيحة رحمه اللّه يقول : أقل مقام الفقير الزائر أن يتلقاه المزور ، كما يتلقى الأمير الكبير ، وإن كان عنده بطيخ أو رطب أو عنب أو نحو ذلك نقى له أطايبه كما ينقي لمن دخل عليه من أكابر الدولة ، كالدفتردار وقاضي العسكر والسنجق والباشا ، ومتى قصر عن ذلك فقد أساء الأدب مع الفقير ، وإن كان يدعي الفقر قلنا له : أنت لم تشم من طريق الفقر رائحة ، لأن تعظيم الخلق إنما يكون بحسب مقامهم عند اللّه تعالى ، ولا شك أن صفة الافتقار أقرب إلى اللّه من صفة الكبرياء والغنى . وقد قال أبو يزيد البسطامي رضي اللّه عنه : يا رب بم يتقرب إليك المتقربون ؟ فقال : بما ليس من صفتي ، فقال : يا رب وما هو ؟ قال : الذل والافتقار ا ه . وهذا الأمر على خلاف القاعدة العقلية من أنه لا يقرب شيء من شيء إلا بما فيه من المشابهة ؛ فكل ما تخلق به العبد من نظير صفات الحق تعالى في الأسماء التي لم يأذن في التخلق بها يبعده عن الحق كما أشار